القرطبي
35
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في الحل والاخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم ، فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث أن من الالحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى والله ، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين ، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ، وهكذا الأشهر الحرم سواء . وقد تقدم . وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ) . وهو قول عمر بن الخطاب . والعموم يأتي على هذا كله . السادسة - ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الانسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله . وقد روى نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ) ( 1 ) لعذبه الله . قلت : هذا صحيح ، وقد جاء هذا المعنى في سورة " ن والقلم " [ القلم : 1 ] مبينا ، على ما يأتي بيانه ( 2 ) هناك إن شاء الله تعالى . السابعة - الباء في " بإلحاد " زائدة كزيادتها في قوله تعالى : " تنبت بالدهن " ( 3 ) [ المؤمنون : 20 ] ، وعليه حملوا قول الشاعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ( 4 ) * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أراد : نرجو الفرج . وقال الأعشى : * ضمنت برزق عيالنا أرماحنا * أي رزق . وقال آخر ( 5 ) : ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد
--> ( 1 ) عدن : مدينة مشهورة واقعة بالقرب من مدخل البحر الأحمر ، وتضاف إلى " أبين " وهي بخلاف عدن . ( 2 ) راجع ج 18 ص 241 . ( 3 ) راجع ص 14 من هذا الجزء . ( 4 ) الفلج ( بتحريك ثانية ) : موضع لبني جعدة بن قيس بنجد ، وهو في أعلى بلاد قيس ( راجع معجم ما استعجم وكتاب خزانة الأدب في الشاهد التاسع والثمانين بعد السبعمائة ) . ( 5 ) القائل هو قيس بن زهير العبسي ، شاعر جاهلي . وهو من قصيدة دالية قالها فيما كان شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي . ( راجع خزانة الأدب في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة ) .